أبي حيان الأندلسي
546
البحر المحيط في التفسير
سواد المصحف . وقالوا أيضا في قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ أقوالا غير ما سبق . قال كعب : إذا تكلم اللّه عزّ وجل بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرت فزعا ، قالوا فيما بينم : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ . وقيل : إذا دعاهم إسرافيل من قبورهم ، قالوا مجيبين ما ذا ، وهو من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ ، كما قاله زهير : إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم * طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل وقيل : هو فزع ملائكة أدنى السماوات عند نزول المدبرات إلى الأرض . وقيل : لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبعث اللّه محمدا ، أنزل اللّه جبريل بالوحي ، فظنت الملائكة أنه قد نزل بشيء من أمر الساعة ، وصعقوا لذلك ، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي ، قاله قتادة ومقاتل وابن السائب . وقيل : الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ، ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم اللّه فانحدروا ، سمع لهم صوت شديد ، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخرون سجدا يصعقون ، رواه الضحاك عن ابن مسعود . وهذه الأقوال والتي قبلها لا تكاد تلائم ألفاظ القرآن ، فاللّه أسأل أن يرزقنا فهم كتابه ، وأقربها عندي أن يكون الضمير في قُلُوبِهِمْ عائدا على من عاد عليه اتبعوه وعليهم ، وممن هو منها في شك ، وتكون الجملة بعد ذلك اعتراضا . وقوله : قالُوا ، أي الملائكة ، لأولئك المتبعين الشاكين يسألونهم سؤال توبيخ : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ، على لسان من بعث إليكم بعد أن كشف الغطاء عن قلوبهم ، فيقرون إذ ذاك أن الذي قاله ، وجاءت به أنبياؤه ، وهو الحق ، لا الباطل الذي كنا فيه من اتباع إبليس . وشكنا في البعث ما ذا يحتمل أن تكون ما منصوبة بقال ، أي أي شيء قال ربكم ، وأن يكون في موضع رفع على أن ذا موصولة ، أي ما الذي قال ربكم ، وذا خبره ، ومعمول قال ضمير محذوف عائد على الموصول . وقرأ ابن أبي عبلة : قالوا الحق ، برفع الحق ، خبر مبتدأ ، أي مقولة الحق ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ، تنزيه منهم له تعالى وتمجيد . ثم رجع إلى خطاب الكفار فسألهم عمن يرزقهم ، محتجا عليهم بأن رازقهم هو اللّه ، إذ لا يمكن أن يقولوا إن آلهتهم ترزقهم وتسألهم أنهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، وأمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله : قُلِ اللَّهُ ، لأنهم قد لا يجيبون حبا في العناد وإيثارا للشرك . ومعلوم أنه لا جواب لم ولا لأحد إلا بأن يقول هو اللّه . وَإِنَّا : أي الموحدين الرازق العابدين ، أَوْ إِيَّاكُمْ : المشركين العابدين الأصنام والجمادات . لَعَلى هُدىً : أي